تزايدت في المرحلة الأخيرة التحليلات التي تعزو سبب تردّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العودة إلى الحرب المفتوحة على إيران ولجوئه إلى التفاوض مُجددًا، إلى نقص كبير في مخزون الصواريخ الأميركية الهجومية والدفاعية. فهل هذا الأمر صحيح؟ وماذا عن مخزون الصواريخ الهجومية التي لا تزال تملكها إيران؟
بحسب المعلومات المُسرّبة، انخفض مخزون صواريخ "ثاد" بحوزة القوات الأميركية المنتشرة حاليًا في الشرق الأوسط بأكثر من 38%، حيث تبقى أقل من 278 صاروخًا اعتراضيًا مقارنة بنحو 452 صاروخًا قبيل العمليات. وجرى استهلاك أكثر من 60 % من مخزون صواريخ "باتريوت" في المنطقة، حيث لم يتبقَ سوى أقل من 827 صاروخًا اعتراضيًا من الطرازات الحديثة والمُتطوّرة مقارنة بنحو 2200 صاروخ قبل اندلاع المواجهات المُتكرّرة. ويتردّد أن الجيش الأميركي استنفد الجزء الأكبر من مخزونه المنقول إلى الشرق الأوسط من منظومات الصواريخ التكتيكية (ATACMS) وصواريخ الضربات الدقيقة (PrSM). كما استعمل نحو نصف مخزونه من صواريخ "توماهوك" المخصّصة للإطلاق من السفن والغواصات.
وبهدف تعويض النقص الحاصل بأسرع وقت ممكن، وقّع البنتاغون اتفاقًا مع شركتي "لوكهيد مارتن" و"نورثروب غرومان" بغرض مضاعفة القدرة الإنتاجية لمنظومة "ثاد" للصواريخ الاعتراضيّة أربع مرّات، لترتفع من 96 صاروخًا إلى نحو400 صاروخ سنويًا. وعلى خطّ مواز، وقّعت شركة "ريثيون" اتفاقًا مع البنتاغون لمضاعفة إنتاج صواريخ "توماهوك" ليتجاوز إنتاجها1,000 صاروخ سنويًا، إلى جانب مضاعفة إنتاج عائلات صواريخ الدفاع الجوي والضربات الجوية مثل AMRAAM وSM-3 وSM-6 بنسب تتراوح بين الضعف إلى أربعة أضعاف. كما أبرم الجيش الأميركي عقدًا بقيمة 58.62 مليار دولار مع شركة لوكهيد مارتن بهدف مضاعفة إنتاج صواريخ "باتريوت" الاعتراضية ثلاث مرات، بحيث يرتفع الإنتاج السنوي من نحو 600 صاروخ حاليًا ليتجاوز2,000 صاروخ سنويًا بحلول عام 2030.
بالانتقال إلى إيران التي كانت قبل اندلاع الجولة الأولى من الحرب في حزيران 2025 تمتلك أكبر مخزون باليستي في الشرق الأوسط، تُقدّر أجهزة الاستخبارات العسكرية الغربية مخزونها المتبقّي من الصواريخ الباليستية بما بين 1800 و2500 صاروخ باليستي، بعد أن استهلكت القسم الأكبر منها في المواجهات العسكرية المباشرة في حين دُمِّر القسم الآخر في الغارات الجوية التي استهدفت منشآت التخزين والإنتاج. وإذا كانت مصانع الصواريخ الأميركية والغربية تعمل حاليًا بأقصى طاقتها لتعويض النقص، فإنّ إيران تسعى بنشاط لإعادة بناء وتوسيع مخزونها عبر منشآت تصنيع محلية.
وتعتمد طهران في تصنيع ترسانتها على استراتيجية الاكتفاء الذاتي، والالتفاف على العقوبات الدولية عبر المرور بمراحل تكنولوجية عدّة، مع التذكير بأنّها كانت قد بدأت برنامجها الصاروخي في حقبة الثمانينيات بالاعتماد على صواريخ "سكود" الروسية التي حصلت عليها من ليبيا وكوريا الشمالية، ثم عمدت إلى تفكيك هذه الصواريخ ودراسة أجزائها بدقة لإعادة تصنيع نسخ محلية مطورة منها. ورغم الحظر، تُهرّب إيران رقائق إلكترونية، وأنظمة توجيه متطورة، ومضخات عالية الدقة عبر شركات وهميّة، علمًا أنّها استفادت تاريخيًا من دعم كوريا الشمالية والصين التكنولوجي لتطوير محركات الصواريخ وأنظمة دفعها.
وتنقسم خطوط الإنتاج الإيرانية إلى نوعين رئيسيين للمحركات الدافعة: صواريخ الوقود السائل التي تعتمد على تكنولوجيا "سكود" القديمة، وهي قوية ولكنّها تتطلب وقتًا طويلًا للتعبئة قبل الإطلاق، ومنها مثلًا صواريخ "عماد" و"شهاب"، وصواريخ الوقود الصلب حيث طورت قدرات متقدمة جدًا في مجال عمليات خلط مُركّبات الوقود الصلب محليًا، ومنها مثلًا عائلة صواريخ "فاتح" و"سجيل". ويتمّ تصنيع أجزاء الصواريخ (الهيكل، المحرك، الرأس الحربي، وأجهزة التوجيه) وتجميعها داخل مجمعات صناعية عسكرية مُحصّنة، جرى تدمير قسم كبير منها في الغارات الأميركية والإسرائيلية، لكن بعضها ما زال صالحًا للاستعمال. وعند إتمام تجهيز أي صاروخ، يجري نقله فورًا إلى شبكات أنفاق مُعقّدة ومحفورة في عمق الجبال، بغرض حمايتها من سلاح الجو المعادي. وليس بسرّ أنّ إيران بنت قواعد ومخازن ضخمة تحت الأرض في أقاليم مختلفة، منها مثلًا كرمانشاه وسمنان وأخرى قرب الخليج، لحمايتها من الضربات الجوية. وهذه القواعد تستخدم منصات إطلاق متنقلة وأنظمة مخفية بشكل يتيح تجهيز الصواريخ وإطلاقها بسرعة ثم إخفائها لتقليل فرص استهدافها.
كما لا تزال إيران تملك المئات من الصواريخ المُجنّحة ("كروز") التي تتميّز بكونها تُحلق بارتفاعات منخفضة جدًا مستعينة بأجنحة ومحرك نفاث طوال الرحلة، في حين أن الصواريخ الباليستية تنطلق إلى الأعلى بزاوية حادة باتجاه الغلاف الجوي ثم تسقط نحو الهدف. وهذه الصواريخ المُجنّحة هي أبطأ مقارنة بالباليستية التي تتمتّع بسرعة فائقة تتضاعف أثناء مرحلة الهبوط، وهي أصغر حجمًا منها أيضًا، وتُستخدم للمسافات القصيرة والمتوسطة بدقة عالية، بينما الباليستية قادرة على عبور مسافات هائلة. ومن الفوارق أيضًا أنّه من الصعب تعديل مسار الصواريخ الباليستية بعد نفاد وقود الدفع في المرحلة الأولى، بينما الصواريخ المُجنّحة تُصنّف ذكيّة وهي تخضع لتوجيه دقيق متواصل، وتمتلك القدرة على المناورة وتغيير المسار لتجنب التضاريس والرادارات. وفي هذا السياق، لا يزال لدى إيران اليوم المئات من صواريخ كروز الهجومية والمضادة للسفن. وقد طوّرت طهران نماذج عدّة من هذه الصواريخ الهجومية والمضادة للسفن، منها صاروخ "الحويزة" بمدى يبلغ نحو 1350 كلم، وصواريخ "قُدس"، و"قادر" و"نور".
في الخلاصة، إنّ قدرة أميركا والحلفاء على ضرب إيران لا تزال عالية جدًا وتتيح القتال لأسابيع طويلة إضافية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قدراتهم الدفاعية والاعتراضية. وبالتالي، السبب الأساسي الذي يدفع إلى تأجيل الحرب الشاملة الثالثة بين واشنطن وطهران هو استمرار تمتّع هذه الأخيرة بقُدرة كبيرة على إلحاق الأذى بأعدائها، وإغلاق الممرّات البحرية، الأمر الذي من شأنه إحداث أزمة عالمية كبرى جديدة عشيّة الانتخابات الأميركية. والأكيد أنّ الرئيس الأميركي يحتسب الأرباح والخسائر التي قد تنجم عن أي معركة بميزان بالغ الدقة قبل اتخاذ قراره، ويتأثّر بضغوط الدول الخليجية الحريصة على استقرارها وأمنها.























































